السيد محمد تقي المدرسي
13
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وهكذا يتدرج البحث عن الهدف الأسمى ( أو القيمة الحياتية ) عبر ثلاث مراحل : الف - البحث الفلسفي العام . حيث يناقشون الحقائق الكبرى مثل أصل الحياة وهدفها . وعلى صعيد التأمل الديني نجد هذا البحث في بحث العقائد أو ( علم الكلام ) . باء - البحث الاجتماعي الشامل ( وليس علم الاجتماع حسب المصطلح الحديث ) حيث يهتم الفلاسفة - أيضاً - بهذا البحث في حقل التأملات الأخلاقية أو ما يسمونه بالحكمة العملية . كما يتناوله علماء التاريخ والاجتماع والتربية في مقدمة بحوثهم في حقل فلسفة تلك العلوم ( فلسفة التاريخ - فلسفة الاجتماع - أو فلسفة التربية أو ما أشبه ) . جيم - البحث القانوني ( التشريعي ) حيث إنه هو الآخر بحاجة إلى معرفة فلسفته ولا تعني فلسفة القانون الّا تلك القيم والأهداف التي ينشدها القانون ، كذلك ( في الدارسة الدينية ) حكمة الشريعة ( أو علل الاحكام ) هي البحث عن تلك الغايات والقيم التي تنشدها . هذه المستويات الثلاث من البحث هي - في الواقع - هدف الجزء الثالث من هذا الكتاب حيث إنه يجمع في الحقيقة : بين البحث الفلسفي ( وبالذات في حقل التأملات الأخلاقية وما يسمى بالفلسفة العملية ) والبحث الاجتماعي ( في ظل فلسفة الاجتماع والبحث القانوني ( في حقل فلسفة القانون ) . اما من زاوية البحث الديني فإنه لا يتجزأ إذ الدين ، وبالذات الدين الاسلامي الحنيف ، بناء متكامل ابتداءً من أصول الدين ( العقائد أو الفلسفة العامة ) والتعاليم الأخلاقية ( الفلسفة العملية ) ، وانتهاءً بالحكمة ( علل الشرائع أو فلسفة القانون ) . ويجد الباحث بعض الصعوبة في دمج هذه الحقول ببعضها واستخلاص نتائج واحدة منها خصوصاً بعد الفصل القسري بينها من قبل دارسي الشريعة . مما جعل الوصايا الأخلاقية كأنها لا تتصل بالفقه . اما العقائد فقد غدت عندهم نظريات فارغة عن محتواها الحضاري . كما جعل الاحكام وكأنها بلا أهداف سامية وقيم مقدسة . وحتى العلل المنصوصة في الشريعة ( وما أكثرها ) فقد قيل بأنها مجرد ( حكم ) وانها لا تصلح للاستدالال الفقهي . بينما الحق : ان العقائد لم تذكر في القرآن والسنّة بعيدة عن الاخلاق والفقه ، ولا ذكرت الاخلاق بعيدة عن الفقه ، ولا الفقه بعيداً عنهما ، فكيف نفصلها عن بعضها وهي لا